ابن قيم الجوزية

80

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

ينفك عنه لأنه مقتضى ذاته ، وما بالذات لا يمكن أن يزول ، فيمتنع أن يكون إلا غنيا كما يمتنع أن يكون إلا جوادا محسنا برا رحيما كريما . وكما أن غناه ذاتي له لا يمكن أن يطرأ عليه ما ينافيه من ذل واحتياج ، فكذلك فقر المخلوقات إليه هو فقر ذاتي بحيث لا يمكنها أن تستغني عنه لحظة من اللحظات ، فهي مفتقرة إليه في إيجادها وفي استمرار وجودها ، وفي كل ما تحتاجه أو تضطر إليه . ومن سعة غناه أن خزائن السماوات والأرض كلها بيده ينفق منها ما يشاء ، وأن إنعامه على عباده متصل دائم الفيض لا ينقطع في لحظة من اللحظات ، كما في الحديث « إن يمين اللّه ملآى سحاء الليل والنهار لا تغيضها نفقة ألا ترون إلى ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض ، فإنه لم يغض مما بيده » . ومن كمال غناه وكرمه أنه يبسط يده بالإجابة لمن سأله فيقضي حاجته ويكشف ضره ، ولا يتبرم بإلحاح السائلين ، بل يغضب على من لم يسأله ، ويؤتي عباده من فضله ما سألوه وما لم يسألوه . وفي الحديث القدسي يقول اللّه تعالى « يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر » . ومن تمام غناه عن خلقه أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، وأنه لم يكن له شريك في الملك ولا ولي من الذل ، فهو الغني الذي كمل بنعوته وأوصافه ، وهو المغني لجميع مخلوقاته . وهو الحكيم وذاك من أوصافه * نوعان أيضا ما هما عدمان حكم وأحكام فكل منهما * نوعان أيضا ثابتا البرهان والحكم شرعي وكوني ولا * يتلازمان وما هما سيان